تسمانيا الأسترالية تنضم إلى الحملة الوطنية ضد أجهزة الصراف الآلي للعملات المشفرة بعد تفاقم الخسائر الاحتيالية
في تحرك جديد يعكس تصاعد القلق الرسمي من مخاطر العملات الرقمية، أعلنت السلطات في ولاية تسمانيا الأسترالية عن مشاركتها الفعلية في الحملة الوطنية الشاملة لمكافحة الجرائم المرتبطة بأجهزة الصراف الآلي للعملات المشفرة، وذلك بعد تسجيل خسائر مالية جسيمة بلغت 1.6 مليون دولار أسترالي ناتجة عن عمليات احتيال إلكتروني.
هذا الإعلان يأتي في سياق تزايد الإجراءات الرقابية التي تتخذها الحكومة الأسترالية من أجل التصدي لجرائم الاحتيال المالي المستفيدة من الثغرات الرقمية، خاصة تلك المتعلقة بأجهزة ATM الخاصة بالعملات المشفرة.
أجهزة صراف العملات المشفرة تحت المجهر الأمني في تسمانيا
أوضحت شرطة تسمانيا، عبر بيان رسمي نُشر يوم الإثنين، أنّه قد تم تفكيك جهازَي صراف آلي للعملات الرقمية في مدينة هوبارت. وأكدت السلطات أنّ هذه الخطوة جاءت بعد تحقيقات مكثفة رصدت استغلال هذه الأجهزة في عمليات احتيال ممنهجة تستهدف الأفراد عبر ما يُعرف بمكالمات الاحتيال.
يُشار إلى أنّ العديد من الضحايا تلقوا اتصالات زائفة من أفراد يزعمون أنهم موظفون من الهيئات الحكومية، مطالبين إياهم بتحويل أموال إلى محافظ رقمية محددة، عبر أجهزة صراف مشفرة.
70 بلاغًا في سنة واحدة تؤكد فداحة الموقف
بحسب البيانات التي أعلنتها شرطة تسمانيا، فقد تم تسجيل ما يزيد عن 70 بلاغًا لعمليات احتيال استُخدمت فيها أجهزة العملات الرقمية خلال العام المالي 2023-2024، لتصل الخسائر المالية إلى قرابة 1.6 مليون دولار أسترالي.
هذه الأرقام تعكس بوضوح اتساع نطاق عمليات الاحتيال التي تتخذ من العملات المشفرة قناة لتمويه الأموال المسروقة وإخفاء آثارها، الأمر الذي دفع السلطات المحلية للتحرك بالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية لوقف هذا النزيف المالي.
حملة وطنية شاملة بقيادة مركز مكافحة الاحتيال السيبراني
هذا الإجراء في تسمانيا ليس معزولًا، بل يأتي ضمن حملة وطنية تقودها فرقة مكافحة الاحتيال السيبراني (NCAC) بالتعاون مع الشرطة الفيدرالية الأسترالية وهيئة تنظيم الاتصالات وهيئة المنافسة وحماية المستهلك.
تهدف هذه الحملة إلى إغلاق الثغرات التقنية التي يستغلها المحتالون في استدراج الضحايا، وتدمير البنية التحتية التي تسهل الجرائم الرقمية، خاصة تلك المرتبطة بالعملات المشفرة.
وتُعد أجهزة الصراف الآلي للعملات الرقمية أحد أبرز هذه الثغرات، إذ تسمح للأفراد بتحويل مبالغ مالية كبيرة بسرعة وبشكل لا مركزي يصعب تعقبه.
الضحايا يُستهدفون تحت غطاء رسمي زائف
تنوّه السلطات الأسترالية إلى أن الأسلوب المتّبع من قبل المحتالين عادةً ما يبدأ باتصال هاتفي يُظهر رقمًا رسميًا تابعًا للحكومة أو شركة اتصالات، يُطلب خلاله من الضحية دفع “غرامات” أو “ضرائب متأخرة” عبر تحويل العملة الرقمية إلى عنوان محدد.
وغالبًا ما يُستهدف كبار السن والأشخاص غير الملمين بالتقنية، حيث يُمارس عليهم ضغط نفسي لتسريع عملية التحويل دون الرجوع للجهات المختصة.
العملات المشفرة: سلاح ذو حدين في الاقتصاد الرقمي
رغم أنّ العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم تمثل ثورة في عالم المال غير المركزي، فإنها في الوقت ذاته تشكل تحديًا كبيرًا أمام السلطات التنظيمية والأمنية.
فالطبيعة اللامركزية للعملات الرقمية، وعدم خضوعها للمراقبة البنكية التقليدية، جعل منها أداة مفضلة للمحتالين الذين يسعون لتضليل الضحايا وتمويه وجهة الأموال.
وقد دعت الحكومة الأسترالية، مرارًا، إلى تعزيز وعي المستخدمين حول مخاطر التعاملات المشفرة، خصوصًا عبر القنوات غير الرسمية أو في الحالات التي تتضمن ضغوطًا فورية لتحويل الأموال.
هل هي نهاية أجهزة الصراف المشفرة في أستراليا؟
تشير التحركات الحكومية الأخيرة إلى اتجاه جاد نحو تقليص أو حتى منع استخدام أجهزة الصراف الآلي للعملات الرقمية في بعض الولايات. وكانت ولايات أخرى مثل كوينزلاند ونيو ساوث ويلز قد سبقت تسمانيا في تنفيذ إجراءات مشابهة، تمثلت في مصادرة أجهزة وتحذير الشركات من مغبة تقديم خدمات غير مرخصة.
لكن على الجانب الآخر، يرى بعض المحللين أنّ الحل لا يكمن في الحظر التام، بل في تنظيم صارم يسمح بمتابعة الأموال ومصادرتها عند الضرورة، دون المساس بحرية الابتكار المالي.
الخلاصة: الحاجة إلى تشريعات رقمية أكثر صرامة
تُعد الخطوة التي اتخذتها تسمانيا دليلًا على تصاعد القلق الحكومي من مخاطر العملات الرقمية، وضرورة الإسراع في سن تشريعات شاملة تُعزز من أدوات الرقابة الرقمية.
وفي الوقت نفسه، فإن التعاون بين الحكومات المحلية والفيدرالية أصبح أمرًا لا غنى عنه لمواجهة تحديات الاحتيال المعقدة التي تتخطى الحدود الجغرافية والتقنية.
تبقى أجهزة الصراف المشفرة في قلب هذا الجدل، كرمز للثورة الرقمية من جهة، وكأداة تُستغل في الجرائم من جهة أخرى، ما يفرض على الحكومات حول العالم البحث عن توازن دقيق بين الأمن والابتكار.
